الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

178

انوار الأصول

أي إنّا لا ندّعي وجود التبادر في الأقسام الثلاثة الأولى بل نعتقد بوجود القرينة فيها . ثمّ إنّ هذه القرينة هل هي قرينة المجاز ، أو قرينة على كون الجري فيها بلحاظ حال الانقضاء ، فلا فرق بينها وبين « كان زيد قائماً » وإن كان مخالفاً لما هو الظاهر من إطلاقها ( لأنّ الظاهر كما قلنا سابقاً اتّحاد زمان الجري وحال النطق ) ؟ الحقّ هو الثاني ، فإذا قلنا « هذا سارق » يكون نفس مبدأ السرقة قرينة على أنّ السارق بمعنى « من سرق من قبل » أي « هذا هو الذي سرق من قبل » ومبدأ القتل على أنّ القاتل بمعنى « من قتل من قبل » فمعنى « هذا قاتل » « هذا هو الذي قتل من قبل » فاستعمل السارق والقاتل في المنقضي عنه التلبّس بلحاظ حال التلبّس فيما قبل ، وعلى هذا فلا يلزم مجاز . فتلخّص من جميع ما ذكرناه : أنّ شرط التبادر عدم وجود القرينة ، وعلى هذا فلا تصل النوبة إلى ما ذكره المحقّق الخراساني رحمه الله من لزوم كثرة المجاز بناءً على كون المشتقّ حقيقة فيمن تلبّس في الحال ، لأنّه ظهر ممّا ذكر أنّ الاستعمال في الأقسام الثلاثة الأول ليس مجازاً بل يكون حقيقة بلحاظ حال التلبّس فيما قبل ، والمفروض أنّ القرينة من ناحية المبدأ قائمة هنا . هذا كلّه هو الدليل الأوّل على كون المشتقّ حقيقة في خصوص من تلبّس بالمبدأ في الحال . وأمّا الدليل الثاني فهو قضيّة الصفات المتضادّة . وتوضيحه : إنّا لا نشكّ في وجود صفات متضادّة فيما بين الصفات نحو القائم بالنسبة إلى القاعد ، والعالم في مقابل الجاهل ، والنائم في مقابل المستيقظ ، والقول بالأعمّ يوجب عدم التضادّ بين هذه الصفات لأنّه حينئذ يصدق على القائم فعلًا مثلًا إنّه قاعد أيضاً حقيقة بلحاظ ما انقضى عنه ، وعلى العالم فعلًا إنّه جاهل حقيقة بلحاظ ما انقضى عنه ، وهو خلاف الارتكاز والوجدان . والإنصاف أنّ هذا الوجه في الحقيقة يرجع إلى الوجه الأوّل ، أي التبادر ، لابتنائه على الوجدان والارتكاز وهو ليس إلّا تقريباً آخر للتبادر . وأمّا الدليل الثالث : صحّة السلب عمّن انقضى عنه التلبّس ، فإنّه يمكن لنا الحكم قطعاً وجزماً بأنّ القاعد فعلًا ليس بقائم . إن قلت : لا يصحّ السلب في مثل السارق والقاتل . قلت : إنّه خارج عن محلّ البحث كما مرّ آنفاً .